السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
9
مختصر الميزان في تفسير القرآن
تعالى بما يفيضه من نور الإيمان . والسورة مدنية بشهادة مضامين آياتها سوى ما قيل في قوله تعالى : « يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى » الآية ؛ وسيجيء . قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ بين يدي الشيء أمامه وهو استعمال شائع مجازي أو استعاري وإضافته إلى اللّه ورسوله معا لا إلى الرسول دليل على أنه أمر مشترك بينه تعالى وبين رسوله وهو مقام الحكم الذي يختص باللّه سبحانه وبرسوله بإذنه كما قال تعالى : إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ( يوسف / 40 ) ، وقال : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ( النساء / 64 ) . ومن الشاهد على ذلك تصدير النهي بقوله : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » وتذييله بقوله : « وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » الظاهر في أن المراد بما بين يدي اللّه ورسوله هو المقام الذي يربط المؤمنين المتقين باللّه ورسوله وهو مقام الحكم الذي يأخذون منه أحكامهم الاعتقادية والعملية . والظاهر أن تفسير « لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ » بالنهي عن التقديم بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقط في هذه الوجوه الثلاثة الأخيرة مبني على حملهم ذكر اللّه تعالى مع رسوله في الآية على نوع من التشريف كقوله : أعجبني زيد وكرمه فيكون ذكره تعالى للإشارة إلى أن السبقة على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على أي حال في معنى السبقة على اللّه سبحانه . ولعل التأمل فيما قدّمناه من الوجه يكفيك في المنع عن المصير إلى شيء من هذه الوجوه . وقوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أمر بالتقوى في موقف الاتباع والعبودية ولا ظرف للانسان إلا ظرف العبودية ولذلك أطلق التقوى . وفي قوله : إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ تعليل للنهي والتقوى فيه أي اتقوه بالانتهاء عن هذا النهي فلا تقدموا قولا بلسانكم ولا في سركم لأن اللّه سميع يسمع أقوالكم عليم يعلم